أبو الليث السمرقندي

595

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

أحياء عند ربهم . وقال بعضهم : يعني من في الجنة ومن في النار من الخدم والخزنة . وقال بعضهم : إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني : جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، ثم يموتون بعد ذلك وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ . روى سفيان بإسناده عن عبد اللّه بن مسعود أنه قرأ : وَكُلٌّ أَتَوْهُ بغير مد ونصب التاء ، وهي قراء حمزة وعاصم في رواية حفص . وقرأ الباقون بالمد والضم . ومن قرأ بالمد والضم ، فمعناه : كل حاضروه داخِرِينَ أي : صاغرين . ويقال : متواضعين . ومن قرأ بغير مد يعني : يأتون اللّه عز وجل . وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً يعني : تحسبها واقفة مكانها ويقال : مستقرة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حتى تقع على الأرض فتستوي ، يعني : في أعين الناظرين كأنها واقفة . قال القتبي : وكذلك كل عسكر غض به الفضاء أو شيء عظيم ، فينظر الناظر ، فيرى أنها واقفة وهي تسير . ثم قال عز وجل : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ يعني : أحكم خلق كل شيء . ويقال : الشيء المتقن : أن يكون وثيقا ثابتا ، فما كان من صنع غيره يكون واهيا ، ولا يكون متقنا ثم قال : إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي : عليم بما فعلتم . قوله عز وجل : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني : بالإيمان والتوحيد ، وهو : كلمة الإخلاص وشهادة أن لا إله إلا اللّه فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها على وجه التقديم ، وله منها خير أي : حين ينال بها الثواب والجنة . ويقال : فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها . أي : خير من الحسنة . يعني : أكثر منها للواحد عشرة . ويقال : فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها من الحسنة ، وهي الجنة ، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله ، والعمل هو اكتساب العبد ، فما كان من فضله وعطائه ، فهو أفضل ، وهذا تفسير المعتزلة ، والأول قول المفسرين . ثمّ قال : وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ يعني : من فزع يوم القيامة آمِنُونَ . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مِنْ فَزَعٍ بغير تنوين ، وَيَوْمَئِذٍ بكسر الميم ، وقرأ نافع في رواية ورش مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بغير تنوين ونصب الميم وقرأ الباقون بالتنوين ، ونصب الميم . قال أبو عبيد : وبالإضافة نقرأ ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم ، وإذا قال : فَزَعٍ بالتنوين ، صار كأنه قال : فزع دون فزع . وقال غيره : إنما أراد به الفزع الأكبر ، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين : إنه خبير بما يفعلون بالياء على معنى الإخبار عنهم ، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة . ثمّ قال عز وجل : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني : بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني : قلبت وجوههم في النار ويقال : يكبون على وجوههم ، ويجرون إلى النار ، وتقول لهم خزنة النار : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الشرك ويقال : فَكُبَّتْ أي : ألقيت وطرحت .